ابن كثير

64

البداية والنهاية

ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه ، فدخل عليه كأنه رسول ، فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته ( 1 ) حتى عرف ما أراد ، وقال الأرطبون في نفسه : والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه ، وما كنت لأطيب القوم بأمر هو أعظم من قتله . فدعا حرسيا فساره فأمره بفتكه فقال : اذهب فقم في مكان كذا وكذا ، فإذا مر بك فاقتله ، ففطن عمرو بن العاص فقال للأرطبون : أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي ، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر ابن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره ، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت . فقال الأرطبون : نعم ! فاذهب فأتني بهم ، ودعا رجلا فساره فقال : اذهب إلى فلان فرده . وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص ، فقال : خدعني الرجل ، هذا والله أدهى العرب ( 2 ) . وبلغت عمر بن الخطاب فقال : لله در عمرو . ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالا عظيما ، كقتال اليرموك ، حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو بن العاص ، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد ، وكثر جيشه ، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي ، والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة ، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال : اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني . وكتب إليه معه : جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك ، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد ، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك . فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب فقالوا للأرطبون : من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد ؟ فقال : صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف . فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له : إني أعالج حربا كؤدا صدوما ، وبلادا ادخرت لك ، فرأيك . فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمرا لم يقل ذلك إلا لأمر علمه ، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله . قال سيف بن عمر عن شيوخه : وقد دخل عمر الشام أربع مرات ، الأولى كان راكبا فرسا حين فتح بيت المقدس ، والثانية على بعير ، والثالثة وصل إلى سرع ثم رجع لأجل ما وقع بالشام من الوباء . والرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه . فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره

--> ( 1 ) في الطبري : حصونه . ( 2 ) في الطبري : الخلق .